علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
231
ثمرات الأوراق
برزخ بين المالح وبينه ، وطلب المالح ردّه بالصّدر وطعن في حلاوة شمائله ، فما شعر إلّا وقد ركب عليه ونزل في ساحله « 1 » ، وأمست واوات دوائره على وجنات الدّهر عاطفة ، وثقلت أرداف أمواجه على خصور الجواري فاضطربت كالخائفة ، ومال شيّق النّخيل إليه فلثم ثغر طلعه وقبّل سالفه ، وأمست سود الجواري كالحسنات في حمرة وجناته ، وكلّما زاد زاد اللّه في حسناته ، فلا فقير سدّ إلّا حصل له من فيض نعماه فتوح ، ولا ميّت خليج إلّا عاش به ودبّت فيه الرّوح ، ولكنّه احمرّت عينه على النّاس بزيادة وترفّع ، فقال له المقياس [ عند إقباله : على رسلك ] « 2 » قبالة كل عين أصبع ، فنشر أعلام قلوعه وحمل وله على ذلك الخرير زمجرة ، ورام أن يهجم على غير بلاده فبادر إليه عزم المؤيّديّ وكسره . وقد آثرنا المقرّ بهذه البشرى التي عمّ فضلها برّا وبحرا ، وحدّثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالا وصدرا ، ليأخذ حظّه من هذه البشارة البحريّة بالزّيادة الوافرة ، وينشق من طيبها نشرا فقد حملت له من طيبات ذلك النسيم أنفاسا عاطرة ، واللّه تعالى يوصل بشائرنا الشّريفة بسمعه الكريم ، ليصير بها في كل وقت مشنّفا ، ولا برح من نيلها المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا . قلت : تقدّم قولي : إنّ الشّيء بالشّيء يذكر ، وقد ذكرت بوصف النيل المبارك هنا رسالتي البحريّة التي كتبت بها إلى علّامة عصرنا الشيخ بدر الدين الدمامينيّ فسح اللّه في أجله من القاهرة المحروسة إلى ثغر الإسكندرية المحروسة عند دخولي إليها من ثغر طرابلس الشام ، وقد عضّت عليّ أنياب الحرب بثغرها ، شائبا من أهوال برّها وبحرها ؛ وذلك في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانمائة ، وهي : يقبّل الأرض التي سقي دوحها بنزول الغيث فأثمر الفواكه البدريّة ، وطلع بدر كمالها من المغرب فسلّمنا لمعجزاتها المحمّديّة ، وجرى لسان البلاغة في ثغرها فسما على العقد بنظمه المستجاد ، وأنشد وقد ابتسم عن محاسنه التي لم يخلق مثلها في البلاد : لقد حسنت بك الأيّام حتّى * كأنّك في فم الدّهر ابتسام « 3 » فأكرم به مورد فضل ما برح منهله العذب كثير الزّحام ومدينة علم تشرّفت بالجناب المحمديّ فعلى ساكنها السّلام ، ومجلس حكم ما ثبت لدعيّ للباطل به حجّة ، وعرفات أدب إن وقفت بها وقفة كنت على الحقيقة ابن حجّة ، وأفق معال بالغ
--> ( 1 ) أ : « بساحله » . ( 2 ) تكملة من « أ » . ( 3 ) للمتنبي ديوانه : 2 / 347 .